فصل: تفسير الآيات (116- 121):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التفسير القرآني للقرآن



.تفسير الآية رقم (113):

{وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (113)}.
التفسير:
المنافقون بما يزيّنون من الباطل، وما يموهون من الحجج، لضلالاتهم، وما يلفقون من الأدلة لأباطيلهم- يفسدون على كثير من الناس وجه الحق، ويختلونهم عن طريق الهدى، حين يخيّلون إليهم الباطل حقا، والضلال هدى.. وهم إذ يضلون الناس بهذا، إنما يضلون أنفسهم، ويوردونها موارد الهلاك، إذ جنوا على أنفسهم، أولا، بركوب الضلال، ثم جنوا على غيرهم، ثانيا، باستدعائهم إلى ركوب هذا الضلال معهم، وتزيينه لهم.
وقد كان من فضل اللّه سبحانه وتعالى على النبيّ أن عصمه من كيد هؤلاء المنافقين، ففضحهم، وفضح أساليبهم، وبهذا حرس اللّه النبيّ وحماه من هذا الكيد الذي كانوا يكيدون له!
وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: {وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ}.
والطائفة، هي الجماعة من هؤلاء المنافقين، وهى تمثّل رءوس المنافقين، وأصحاب الرأى والتدبير فيهم.
وفى قوله تعالى: {وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ}.
ما يشعر بأن هؤلاء المنافقين لم يهمّوا بالسوء، إذ كان فضل اللّه علي النبي ورحمته به، وحراسته له، ممّا يحجز هؤلاء المنافقين عن أن يهمّوا، فضلا أن يبلغوا من النبي ما همّوا به، وما حدثتهم به أنفسهم من شر وعدوان! والواقع أنه كان من المنافقين هم وعزم على ركوب هذا المنكر نحو النبي، بل وقد خرج هذا الهمّ أحيانا إلى حيّز التنفيذ والعمل، فجاء منهم من يقول للنبىّ في غزوة الخندق: {إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا} [13 الأحزاب] وجاء منهم من يقول للنبىّ في غزوة تبوك: {ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي} [49: التوبة] وقد أذن النبي لمن استأذنه منهم، فكان من اللّه هذا العتاب الرفيق للنبى الكريم: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ} [43: التوبة] فما تأويل هذا؟
والجواب: هو أن هذا الهمّ الذي كان من المنافقين، وما تبعه من تدبير وعمل، لم يؤثّر أأثره في النبيّ، ولم يخرج به عن طريق الحق والعدل الذي أقامه اللّه عليه، وأن ما جنى المنافقون من نفاقهم هذا كان حسرة ووبالا عليهم في الدنيا والآخرة، إذ فضحهم اللّه على الملأ، وفضح نفاقهم، وعرضهم للأعين عراة يجلّلهم الخزي والعار، وأنهم ودّوا لو لم يهمّوا ولم يفعلوا.. فكان همّهم هذا الذي همّوه، وفعلهم ذلك الذي فعلوه، جناية على أنفسهم.. أما النبيّ فلم يخلص إليه من هذا الهمّ شيء! وعلى هذا، كان الهمّ الذي همّوه بالنبيّ كأنه لا شيء بالنسبة له، إذا أفسده اللّه عليهم، وردّه إلى صدورهم.. فكأنهم همّوا ولم يهمّوا!! وفى هذا ما يشير إلى علوّ مقام النبيّ الكريم، وإلى قوة هذا الحصن الحصين الذي أقامه اللّه عليه في وجه المنافقين، بحيث لا يجرؤ أحد منهم أن تحدّثه نفسه- لو عرف مكانة هذا النبيّ، ومكانه هو منه- أن يهجس في نفسه- مجرد هاجس- بمحاولة إنزاله ولو قيد شعرة من هذا المقام الكريم الذي رفعه اللّه إليه.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: {وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ}.
أي، أىّ شيء من الضرر، فيما يتصل بدينك، أو مكانك من هذا الدّين!.
وفى قوله تعالى: {وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ}.
وفى عطف هذا الفعل على الفعل قبله: {وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ}.
فى هذا كبت للمنافقين، وضربة قاصمة من ضربات الحسرة والكمد لهم.
فإنهم وقد أرادوا أن يفسدوا على النبيّ أمره، قد أفسدوا أنفسهم، ولم ينالوا من النبيّ شيئا، بل وأنزل اللّه عليه الكتاب والحكمة وعلمه ما لم يكن يعلم، حتى لكأن إنزال الكتاب والحكمة على النبيّ وتعليمه من اللّه ما لم يكن يعلم، قد جاء في أعقاب هذا المكر السيّء الذي مكروه بالنبيّ- زيادة في تكريم النبيّ، ومضاعفة لفضل اللّه عليه، وإمعانا في خزى المنافقين وكبتهم، وملء قلوبهم حسرة وندما، من حيث أرادوا الشرّ بالنبي، فكان أن أضعف اللّه فضله عليه، وغمره بإحسانه.. وهذا ما تشير إليه خاتمة الآية: {وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً}.

.تفسير الآيات (114- 115):

{لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (114) وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً (115)}.
التفسير:
أكثر ما يجتمع عليه المنافقون هو الشرّ، وأكثر ما يتناجون به، هو السوء.
والنجوة، والمناجاة، هي المسارّة بالحديث، والتخافت به، بعيدا عمن يسمع أو يرى.. وأصل النجوة المكان المرتفع، ينجو به الإنسان والحيوان، ويعتصم فيه من أن تناله يد العدوّ.
وقوله تعالى: {إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} هو استثناء للجانب الطيب من النجوى، إذ ليس كلّ ما يسارّ به الناس بعضهم بعضا من حديث، وما يحجزونه عن أسماع غيرهم وأبصارهم هو من قبيل الشرّ، الذي يحرص الناس على كتمانه، وإخفاء وجهه عن غيرهم.
فقد يكون في هذا الحديث الخفىّ، ما يراد به الخير والإحسان، وقد يكون في كشفه والمعالنة به تفويت للخير الذي ينطوى عليه، وتضييع للإحسان المراد منه.. فمن اجتمع إلى غيره، وتناجى معه فيما هو خير له وللناس.
كدعوة إلى صدقة، أو توجيه إلى معروف، أو إصلاح بين الناس- فلا حرج عليه في هذه النجوى، متحدّثا أو مستمعا.
وإذ كانت النجوى غالبا ما تحمل على الرّيب والظنون بأهلها، كان على الإنسان أن يحرس نفسه من أن يكون مظنّة تهمة أو ريبة، وألا يدخل مداخلها إلا إذا كانت غايته منها تحصيل الخير له أو لغيره، وألا يكون وراءها شر يدبّر للناس، أو كيد يكاد لهم به.
وقوله تعالى: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً}.
الإشارة هنا بقوله تعالى: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ} متوجهة إلى الأمر بالصدقة أو المعروف أو الإصلاح بين الناس.. أي ومن فعل ذلك في مناجاته، لا يريد به إلا وجه اللّه، فله أجر عظيم عند اللّه، وثواب كريم لما فعل.
وقوله تعالى: {وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً} الشقاق: المخالفة والمنابذة.
وشقاق الرسول: مخالفة أمره، والخروج عن طاعته.
والذين تبيّن لهم الهدى هنا، هم المنافقون، الذين دخلوا في الإسلام، وعرفوا كثيرا من حقائقه، ولكن غلبت عليهم شقوقهم، فلم يستقيموا على طريق الحق، بل اضطربوا وتخبطوا.
فهؤلاء المنافقون أكثر ما تكون لقاءاتهم ومناجاتهم لتدبير الشرّ، وتبييت السوء، والعمل على مشاقّة الرسول ومخالفته، واتخاذ سبيل لهم غير سبيل المؤمنين، وطريقهم.. وقد توعّد اللّه سبحانه وتعالى من يكون على تلك الحال بقوله: {نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً} أي نقيمه على هذا الوجه الذي اتخذه لنفسه، مخالفا به الطريق المستقيم، طريق المؤمنين، وندعه لهواء الذي غلب عليه، وساقه إلى هذا المساق.. وهذا يعنى أن اللّه سبحانه وتعالى يخلى هذا المنافق لنفسه، ويتركه في ضلاله، فلا يمدّ إليه يد العون والتوفيق. {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً} [10: البقرة].

.تفسير الآيات (116- 121):

{إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (116) إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِناثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطاناً مَرِيداً (117) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (118) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً (119) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاَّ غُرُوراً (120) أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً (121)}.
التفسير:
الشرك باللّه، ضرب من ضروب الكفر به.
فإذا كان الكفر جحودا باللّه، وإنكارا لوجوده، فإن الشرك ضلال عن طريق اللّه، ورؤية غير واضحة لجلال اللّه وعظمته، الأمر الذي يجعل الإنسان ينظر إلى اللّه في هذا المستوي الذي لا يرتفع فيه كثيرا عن بعض مخلوقاته.. وهذا إنكار ضمنى لوجود اللّه، ذلك الوجود الحق، الذي ينفرد فيه سبحانه بالربوبية المطلقة، ويدين له فيه جميع المخلوقات بالعبودية والولاء.. {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً} [93: مريم].
والقرآن الكريم يتحدث عن المشركين باعتبار أنهم طائفة من طوائف الكافرين، وفرقة من فرقهم.. فالمشرك كافر، لا جدال.
فأهل مكة- قبل الإسلام- كانوا مشركين، يعرفون اللّه معرفة باهتة، ويرونه من خلال آلهتهم، وكأنه واحد منهم، أشبه بشيخ القبيلة في قبيلته!! وقد سماهم القرآن الكريم كافرين، كما سماهم مشركين، وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} [6: البقرة] من مراده بعض مشركى مكة. كما أشرنا إلى ذلك في تفسير هذه الآية.
ومثل ذلك قوله تعالى: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ} [12: الأنفال] فإن هذه الآية نزلت في غزوة بدر، وفيما كان فيها من إمداد اللّه سبحانه وتعالى المؤمنين بالملائكة في هذه المعركة.
وقد وصف المشركون هنا بالكفر وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ}.
هو بيان لما قضى به سبحانه وتعالى فيمن يشرك به أو ينكر ألوهيته، وهو أنه سبحانه لا يغفر لمرتكب هذا الإثم إثمه، ولا يناله برحمته، إذ أن هذا المشرك أو المنكر، قد استخفّ باللّه، فلم يولّ وجهه إليه، ولم يخلص قلبه له، فكان جزاؤه أن يستخفّ به اللّه، ولا يقيم له يوم القيامة وزنا، كما يقول سبحانه وتعالى: {أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً} [102- 106: الكهف].
وقوله تعالى: {وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ} هو استدعاء من اللّه سبحانه وتعالى للعصاة والمذنبين من عباده الذين آمنوا به، ليتعرضوا لواسع رحمته، وعظيم فضله، فإنهم وقد آمنوا به، وأحلوا قلوبهم ومشاعرهم من كل معبود سواه، فقد دخلوا في محتوى هذا النداء الكريم، الذي نادى اللّه به عباده المؤمنين في قوله سبحانه {قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ} [53- 54: الزمر].
فما كان من الذنوب دون الشرك والكفر، فهو في ساحة رحمة اللّه، وفى معرض غفرانه.
وليس في قوله تعالى: {لِمَنْ يَشاءُ} قيدا يحدّ من رحمة اللّه، أو يحجز من غفرانه، ولكن المراد به وضع الرحمة والمغفرة تحت مشيئة اللّه، يضعهما حيث يشاء، ويفضل بهما على من يشاء، فضلا وكرما، وليس لأحد أن يتألّى على اللّه، أو أن يلزمه شيئا من هذا العطاء المتفضّل به.. وبهذا تعظم المنّة، ويتضاعف الإحسان، إذ كان ذلك من غير مقابل، ودون استيفاء لجزاء على عمل، فصاحب العمل له جزاء عمله، كما يقول سبحانه: {نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [56: يوسف] فرحمة اللّه واقعة حيث يشاء لمن يشاء.. أما المحسن، فقد كتب اللّه على نفسه أن يوفيه أجره، بل ويوفيه هذا الأجر أضعافا مضاعفة، كما يقول سبحانه: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ}.
وقوله تعالى: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً} كشف للطريق المهلك الذي ركبه المشرك بشركه، وأنه قد بعد عن طريق النجاة والسلامة، ولن يزيده المضىّ فيه إلا إمعانا في الضلال، وبعدا عن طريق الحق، وشرودا عن مظانّ النجاة! وقوله تعالى: {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً}.
الضمير في قوله تعالى: {مِنْ دُونِهِ} يعود إلى اللّه سبحانه وتعالى، و{إن} بمعنى حرف النفي ما أي ما يدعو هؤلاء المشركون من المعبودين الذين يعبدونهم من دون اللّه، إلّا إناثا.
والشيطان المريد. هو إبليس الذي تمرّد على اللّه، وجرؤ على عصيانه والخروج عن طاعته.
والمعنى: أن هؤلاء الذين أشركوا باللّه، وعبدوا من عبدوا من دونه، لم يكن تقديرهم لهؤلاء المعبودين، إلا عن نظر سقيم، وقلب مريض، وعقل سفيه.
فما هؤلاء المعبودون الذين اتخذهم المشركون أربابا لهم من دون اللّه- إلا أحد شيئين: أولهما: إناث.. أي معبودات من المصنوعات، يعملونها بأيديهم، في صورة أوثان وأصنام، ثم يزينونها بالملابس والحلىّ، كما تتزين النساء! وعبادة مثل هذه المصنوعات سفه ليس وراءه سفه، وضلال ليس بعده ضلال.. لأنها أولا: أشياء ميتة، لا تسمع، ولا تبصر، ولا تملك من أمر وجودها شيئا.. فكيف يراد منها الخير لغيرها، أو يرجى منها العون لمن يقوم على أمرها، ويحفظ وجودها.. ولأنها ثانيا: لم تتّخذ من صور الأشياء الجانب القوى منها، وهو جانب الذكورة، بل أضفى عليها صانعوها مظهر الأنوثة، فزادها ذلك ضعفا إلى ضعفها.
وفى الكشف عن هذا الجانب الضعيف من هذه الأوثان والأصنام، وعرضها لنظر عابديها في هذه الصورة- صورة الإناث- إمعان في تسفيه هؤلاء السفهاء الذين عبدوها، وتخاضعوا بين يديها.. إذ كيف يستقيم هذا مع تفكيرهم، وما أخذوا به أنفسهم من امتهان الأنثى، ونظرتهم إليها تلك النظرة المنكرة المتكرهة؟
وكيف يكون موقفهم مع الأنثى هذا الموقف الذي ذكره القرآن الكريم عنهم في قوله تعالى: {وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ} [58- 59: النحل]- كيف يكون هذا موقفهم من الإناث وهنّ خلق سوىّ، وفلذة من فلذات أكبادهم، ثم يكون هذا شأنهم مع تلك الصور التي يتخذونها من الحجر، والخشب، والمعدن، ويلبسونها زيّ الإناث، ويغرقونها بالحلى والزينة؟
أهذا مما يستقيم مع منطق، أو يصح في عقل؟
هذه صورة من الصورتين، اللتين يعبدهما المشركون من دون اللّه!.
وهى صورة حسيّة، يتعامل معها المشركون بحواسّهم ومشاعرهم.
أما الصورة الأخرى، فهى الشيطان المريد.
وهو وإن كان شيئا غير محسوس، فإنّه يتمثل في الأهواء المتسلطة على النفس، وفى تلك الوسوسات الضالّة التي تزيّن للإنسان الشرّ، وتغزيه بالضلال! وليست تلك المعبودات، التي يعبدها المشركون باللّه، ويتخذون لها تلك الصور والأشكال إلّا إملاء من وساوس الشيطان لهم، وإلا مظهرا من مظاهر إغرائه وإغوائه.
فهؤلاء الذين يعبدون الأوثان من دون اللّه، هم عابدون للشيطان أيضا.
فما هذه الصور المعبودة إلّا بنات وسوساته في صدورهم، ونفثاته في تفكيرهم.
وقوله تعالى: {لَعَنَهُ اللَّهُ} صفة لهذا الشيطان المريد، الذي اتخذه هؤلاء المشركون وليا من دون اللّه.. وفى هذا ضلال إلى ضلال، وسفه إلى سفه.
إذ أنهم أعطوا ولاءهم لمن كان عدوّا للّه، واقعا تحت لعنته.. فهم- والأمر كذلك- أعداء للّه، واقعون تحت لعنته.
وقوله سبحانه: {وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً} عرض فاضح لهذا الشيطان المتمرد على اللّه، المأخوذ بلعنة اللّه.
وفى عطف قوله تعالى: {وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً} على قوله سبحانه: {لَعَنَهُ اللَّهُ} ما يشير إلى أن هذا القول الآثم من هذا الشيطان المريد هو لعنة أخرى من لعنات اللّه عليه، لما فيه من تحدّ للّه، ومحاربة له في عباده! وفى قوله تعالى: {مِنْ عِبادِكَ} إشارة أخرى إلى تمرد هذا الشيطان المريد، وإمعانه في محادّة اللّه ومحاربته.. إذ كيف تسوّل له نفسه أن يدخل حمى اللّه، وأن يفسد عباد اللّه، الذين خلقهم بيده، وأضافهم إلى ذاته؟
ومن جهة أخرى، فإن هؤلاء الذين خلقهم اللّه بيده، وأضافهم إلى ذاته، هم الذين كانوا حربا على اللّه في جبهة الشيطان، فتفلتوا من هذا الحمى الكريم، الذي أقامهم اللّه فيه.. ومدوا أيديهم إلى هذا الشيطان المريد، وأعطوه الفرصة فيهم، ليفسد عليهم هذه الفطرة السليمة التي أودعها اللّه كيانهم، وليضلّ عقولهم عن هذا الطريق الذي أراه اللّه لهم، غير ملتفتين إلى تلك الوصاة التي وصّاهم اللّه بها، في شأن هذا العدوّ الراصد لهم، والمتربص بهم، حيث كان قول اللّه لهم: {إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ}.
وفى هذا الموضع الذي وضع اللّه الإنسان فيه، تكريم لهذا الإنسان، وإشعار له بأنه أهل لأن يحرس نفسه من هذه الآفة المتسلطة عليه، وأن يحتفظ بتلك الهبات العظيمة التي منحها اللّه إياه، تلك الهبات التي لو التفت إليها، وأحسن استخدامها، والقيام عليها، لكانت قوة حارسة له من الشيطان وخداعه، ولكان له منها حمى لا تناله وساوسه ومغوياته.. ولكن غفل كثير من الناس عن هذا العدوّ، بل وسالمه وأسلم زمامه له، فكان ضياعه وهلاكه جزاء وفاقا له.
وفى قوله تعالى: {نَصِيباً مَفْرُوضاً} إشارة إلى أن هؤلاء الذين أوقعهم الشيطان في حبالته، واصطادهم في شباكه، هم من أراد اللّه لهم أن يكونوا في أصحاب النار، كما يقول سبحانه وتعالى: {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} [7: الشورى] وكما يقول جلّ شأنه: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [119: هود].. وكما يقول الرسول الكريم فيما يروى عن على بن أبى طالب، قال كنّا في جنازة في بقيع الفرقد، فأتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقعد ومعه مخصرة، فنكّس رأسه وجعل ينكت بمخصرته، فقال: «ما منكم من نفس منفوسة إلا وقد كتب مكانها من الجنة أو النار، وإلّا قد كتبت شقية أو سعيدة» فقال له رجل: يا رسول اللّه: أفلا نتّكل على كتابنا وندع العمل؟ فمن كان منّا من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة، ومن كان منا من أهل الشقاء فسيصير إلى عمل أهل الشقاء؟ فقال صلى اللّه عليه وسلم: «اعملوا فكل ميسّر.. أما أهل السعادة فميسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فميسّرون لعمل أهل الشقاوة» ثم قرأ: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى}.
ووصف النصيب بأنه نصيب مفروض يكشف عن أنه قدر محدّد، أي أن أولياء الشيطان هؤلاء، هم فريق محصور بعدده وصفته، لا يزيد ولا ينقص، كما أن أولياء اللّه، هم فريق آخر مقابل لهذا الفريق، معروف بعدده وصفته.
ومجموع الفريقين هم الناس جميعا.. الشقىّ منهم والسعيد، وأصحاب النار وأصحاب الجنة.. أولياء الشيطان، وأولياء الرحمن! وقوله تعالى: {وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ} هو بيان لقولة الشيطان: {لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً} فهذا النصيب المفروض هم الذين سيتخذهم الشيطان أولياء له، وسيتعاطى معهم كئوس المودة والصفاء، وهى كئوس تدور برءوس شاربيها، وتفسد عليهم عقولهم، وتحوّلهم دمى في يد الشيطان، يعبث بها كيف يشاء.. ولهذا كان واثقا من أنه قادر على نفاذ أمره وإمضاء مشيئته فيهم.. ولهذا جاء أمره إليهم جازما مؤكدا:
{ولأضلّنّهم} أي يلقى بهم في مهاوى الضلال، والظلام.. بعيدا عن الهدى والنور! {ولأمنّينّهم} أي يمدّ لهم في حبال الأمانى والغرور، بما يزيّن لهم من الشرور والآثام.. وبما يخيّل لهم من الأوهام والأباطيل.. فيرون الشر خيرا، والقبيح حسنا، والبعيد قريبا.
{وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ} وذلك شيء من السّخف والضلال، الذي زينه لهم الشيطان وأغواهم به، وهو أنهم كانوا إذا ولدت الناقة خمسة بطون، وكان آخرها ذكرا احتفوا بها وأكرموها، وكان مظهر ذلك أن يقطعوا أذنيها أو يشقّوهما {فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ} ثم يرسلونها فلا يركب ظهرها، ولا يحمل عليه شيء!! أفليس ذلك هو غاية السفه، ومنتهى الضلال؟.
{وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ} وذلك بتقطيع آذان الأنعام هذه، ونحو هذا من المراسم التي تصوّرها لهم الأوهام والأباطيل.
وقوله تعالى: {وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً} عرض للصورة الشنعاء التي ينتهى إليها أمر هؤلاء الذين استذلهم الشيطان، واستبدّ بهم.. فليس بعد خسرانهم خسران، ولا وراء ضياعهم ضياع.
وقوله تعالى: {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً} هو كشف لهذا المحصول الذي يجنيه أتباع الشيطان.. إنها ليست إلا أمانىّ باطلة، وسرابا خادعا. {أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً} فتلك هي عاقبة الظالمين الغاوين.. مصيرهم جهنم وساءت مصيرا، لا متحوّل لهم عنها، ولا إفلات لهم منها.
وهنا سؤال، أو أسئلة، عن هذه التفرقة بين الناس، إذ كانوا فريقين:
سعداء وأشقياء. أولياء اللّه وأولياء الشيطان.. {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ}؟
فلم هذه التفرقة بين الناس، وهم جميعا عباد اللّه وصنعة يده؟
وما فضل هؤلاء الذين كتبت لهم الجنة، وما جناية هؤلاء الذين كتبوا في أصحاب النار.. هكذا قدرا مقدورا، وقضاء لازما من الأزل؟
وما قيمة إحسان المحسن وإساءة المسيء، إذا كان قد تحدد المصير المحتوم لكل إنسان؟
هذه خواطر تتوارد على الإنسان، وهو يستمع إلى حكم اللّه هذا في عباده.
وإذا كان من تمام إيمان المؤمن أن يتلقى أوامر اللّه وأحكامه بالتسليم.
وأن يتقبلها بالرضا والحمد- فإنه من غير المستطاع أن يمنع المؤمن مثل هذه الخواطر من أن تطوف بعقله حينا بعد حين، وأن تتصاعد منها أدخنة وغيوم، قد تنحسر مريعا، أو تتلبث وتتسكع قليلا أو كثيرا.. بل إنه- والأمر كذلك- لمن الخير أنه يواجه الإنسان هذه الخواطر، وأن يقّلبها بين يديه، حتى يعرف مصادرها ومواردها، فإنها كثيرا ما تكون مداخل لخداع الشيطان وضلالاته.
وهذا ما سنعرض له في بحث خاص.. إن شاء اللّه.